أبي المعالي القونوي

109

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

وهذا من سرّ أحديّة التراكيب الستّة غير المفيدة والمنتجة وهو قولي : اتّصال أحكام التجلّيات بعضها ببعض دون أمر آخر يكون مظهرا لحكمها المسمّى فعلا لا يفيد ولا ينتج ، وعين الفعل هو التجلّي بنسبة التأثير الواصل من الحقّ - من كونه موجدا وخالقا - إلى المفعول فيه ، أو به ، أو معه ، أو له على اختلاف المراتب . ف « فيه » إذا كان هو المقصود أو من جملة المقصود . و « به » إذا كان الواسطة و « 1 » الشرط ، و « معه » إذا كان جزء علّة أو « 2 » أحد الأسباب ، أو مرادا باعتبار . و « له » إذا كانت فائدة ذلك الفعل تعود عليه ، أو كانت « 3 » غايته ، وهو سرّ إيجاد الحقّ العالم للعالم « 4 » ، وسرّ الأمر بالعبادة لأجل العابد لا للمعبود ؛ لأنّه يتعالى من حيث عزّه وغناه [ عن ] أن يكون فعله لغرض ، بل رحمة ذاتيّة بالكون ، وقس على ذلك باقي مراتب الفعل ؛ فقد فتحت لك الباب . ثم نقول « 5 » : والموجب الآخر لتأخّر حصول النتيجة ونفوذ الحكم بمجرد التجلّي الحبّي هو : أنّه لو فرضنا وقوع الأمر بهذه المقدّمة الواحدة أو إمكانه ، لسبق « 6 » إلى مدارك بعض من يتعيّن بذلك الحكم ويظهر عينه أنّ الأمر الإيجاديّ والإنشاء الكوني إنّما متعلّقه وغايته تحصيل ما يختصّ بحضرة الحقّ لا غير ، فكان ذلك نوع نقص متوهّم في مرتبة الغنى الكمالي الوجودي الذاتي « 7 » ، وتعالى ذلك الجناب عمّا « 8 » لا يليق به . فلمّا لم ينفذ حكم التجلّي المذكور ؛ لهذه الموانع وغيرها ممّا لا يمكن ذكره ، عاد يطلب مستقرّه من الغيب المطلق ، كما هو سنّة سائر التجلّيات المتعيّنة بالمظاهر وفيها عند انقضاء حكمها في المتجلّى له ، فإنّها بالذات هي تطلب الرجوع والتقلّص إلى أصلها عند انقضاء « 9 » حكمها بالمظاهر وفيها ؛ لعدم مناسبتها عالم الكثرة ، وهذا هو سبب الانسلاخ الحاصل للتجليّات التفصيليّة بعد التلبّس بأحكام المتجلّى له ، وعودها إلى الغيب « 10 » الذي ذكرته في سرّ التجلّي والمتجلّى له ، وفي مراتب التصوّرات وسبب تجرّد الأرواح الإنسانيّة عن

--> ( 1 ) . ب : أو . ( 2 ) . في بعض النسخ : و . ( 3 ) . ق : كان . ( 4 ) . ق : لعالم . ( 5 ) . ق : أقول . ( 6 ) . ق : ليسبق . ( 7 ) . ب : والذاتي . ( 8 ) . ق : بما . ( 9 ) . ب : انقضائها . ( 10 ) . ق : النسب .